عبد الله بن محمد بن شاهاور الرازي
177
منارات السائرين إلى حضرة الله ومقامات الطائرين
واستقامة الروح في استغراقه في بحر المحبة واستلذاذه بمرارة المحبة . واستقامة الخفي في قابليته لتجلي صفات الربوبية والتحلي بأخلاق الألوهية فانيا عن أنانية نفسه باقيا بهوية ربه . فأما استقامة الطريق فهي على ثلاثة أوجه : استقامة الطريق إلى النار : وهي على إقدام الشهوات . قال - صلى اللّه عليه وسلم - : « حفت النار بالشهوات » « 1 » . واستقامة الطريق إلى الجنة : وهي على إقدام المكاره في نهي النفس عن هواها . قال تعالى : وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى ( 41 ) وقال - صلى اللّه عليه وسلم - : « حفت الجنة بالمكاره » « 2 » . واستقامة الطريق إلى اللّه تعالى : وهي علم إقدام المتابعة ولزوم المطاوعة قال اللّه تعالى : وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ( 52 ) صِراطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ [ الشورى : 51 ، 52 ] أثبتت للنبي - صلى اللّه عليه وسلم - الهداية إلى هذا الصراط لا هداية الصراط ، لأن الهداية إلى الصراط من المكاسب وهداية الصراط من المواهب . قال تعالى : اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ ( 6 ) [ الفاتحة : 6 ] وهذه الهداية : نور يقذفه اللّه في قلوب من يشاء من عباده . كما قال تعالى : وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا [ الشورى : 52 ] . فمن تقرب إلى اللّه باستقامة المكاسب يتقرب إليه اللّه باستقامة المواهب ثم الاستقامة من لوازم كل مقام وحال ، وبها الترقي من مقام إلى مقام ، ومن حال إلى حال . فمن لم يكن له استقامة في كل مقام وحال يؤول أمره إلى إضاعة السعي وإبطال الجهد ويرجع القهقري قال اللّه تعالى : وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ [ النّحل : 92 ] فمن أمارات استقامة أهل البداية : الثبات على جادة الشريعة . ومن أمارات استقامة أهل النهاية : محافظة أحكام الحقيقة بخمود البشرية وصقالة مرآة القلب بإخراجه عن طبع الطبيعة ، وتزكية الأوصاف الإنسانية بتحلية الأخلاق الربانية . ومنها الحياء : قال اللّه تعالى : أَ لَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرى ( 14 ) [ العلق : 14 ] وقال رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - : ذات يوم لأصحابه : « استحيوا من اللّه حق الحياء » قالوا : إنا نستحي يا نبي اللّه والحمد للّه . قال : « ليس ذاك ولكن من استحى من اللّه حق الحياء
--> ( 1 و 2 ) رواه مسلم في صحيحه ، كتاب الجنة . . . ، حديث رقم ( 1 - 2822 ) . ورواه الترمذي في الجامع الصحيح ، كتاب صفة الجنة ، باب ( 21 ) حديث رقم ( 2559 ) ورواه غيرهما .